ملخص شامل لقمة كامب ديفيد وانتفاضة الأقصى والتحولات السياسية الفلسطينية (2000-2006)
المبحث الثالث: قمة كامب ديفيد وانتفاضة الأقصى
شهدت الساحة الفلسطينية بعد فترة طويلة من المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي محاولات للتوصل إلى تفاهمات حول قضايا الحل النهائي. ومع ذلك، لم ترقَ هذه التفاهمات إلى مستوى الاتفاق الرسمي، وبقيت ضمن إطار الخطوط العامة. كانت الإشكالية الكبرى تتعلق بمدينة القدس ومسألة السيادة، وهي القضايا التي تُرِكت ليتم الاتفاق عليها مباشرة بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك أيهود باراك.
على هذه الأرضية، انطلقت مباحثات قمة كامب ديفيد الثانية بعد دعوة وجهها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في تاريخ تموز م. كان الهدف من القمة ممارسة ضغوط على الطرفين للتوصل إلى اتفاق نهائي بشأن السيادة على القدس، إلا أن الضغط الحقيقي تركز على ياسر عرفات لمطالبته بتقديم تنازلات. رفض عرفات هذه الضغوط، في حين كان كلينتون يعول على دور الدول العربية (خاصة مصر والسعودية) للضغط على عرفات، لكن تلك الدول أيدت موقف عرفات الرافض للتنازل.
في المقابل، لم يبدِ الجانب الإسرائيلي أي إشارات نحو سياسات جديدة بخصوص القدس أو الاستيطان، مما أدى إلى فشل القمة. هذا الفشل السياسي كان الشرارة التي أدت إلى اندلاع انتفاضة الشعب الفلسطيني الثانية.
انتفاضة الأقصى (/سبتمبر)
اندلعت الانتفاضة في تاريخ سبتمبر م، بعد أقل من أربعة أشهر على فشل قمة كامب ديفيد. ويمكن تقسيم العوامل والممهدات لهذه الانتفاضة إلى عدة جوانب:
. العامل الديني: تمثل في استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المقدسات الإسلامية منذ عام م، بدءاً من حريق المسجد الأقصى وصولاً إلى حفر الأنفاق تحته بما يهدد وجوده.
. عدم تنفيذ الالتزامات: انتهكت إسرائيل التفاهمات والاتفاقيات الموقعة من خلال:
- استمرار الاستيطان: تبني مشروع في عام م لبناء آلاف وحدة سكنية في ضواحي القدس، وجلب حزب العمل لـ ألف مستوطن للمدينة بين عامي م، وتشييد مستوطنة جبل أبو غنيم.
- عرقلة الحياة اليومية: عبر الحواجز العسكرية، وتقييد حركة المسافرين عبر المعابر، والاستمرار في عمليات الاعتقال.
. الإخفاقات الاقتصادية:
- تبعية الاقتصاد الفلسطيني للاقتصاد الإسرائيلي.
- التضييق على المؤسسات الخيرية الفلسطينية.
- تقييد المساعدات الخارجية للسلطة.
- الاعتداء المباشر على الأراضي الزراعية ومصادر الرزق.
السبب المباشر ومراحل الانتفاضة
كان السبب المباشر هو الزيادة الاستفزازية (التدنيسية) التي قام بها زعيم حزب الليكود "أرئيل شارون" للمسجد الأقصى، مما فجر غضب الفلسطينيين والمسلمين.
مراحل الانتفاضة:
- المرحلة الجماهيرية (الهبة الشعبية): تبعت زيارة شارون مباشرة، وتميزت بالمقاومة السلمية والاحتجاج عند الحواجز. واجهت إسرائيل هذه المرحلة بعنف مفرط أدى لسقوط مئات الشهداء.
- عسكرة الانتفاضة: بدأت قوات الأمن والتنظيمات الفلسطينية باستخدام السلاح ضد جنود الاحتلال والمستوطنات والطرق الالتفافية. تلا ذلك العمليات الفدائية (الاستشهادية) داخل الخط الأخضر لزعزعة الأمن الإسرائيلي.
- تطوير المقاومة: تميزت باستخدام الصواريخ محلية الصنع التي استهدفت البلدات القريبة من قطاع غزة.
- وسائل التهدئة والهدنة: عرضت الفصائل هدنة من طرف واحد مقابل وقف الاغتيالات. التزمت الفصائل وتوقفت إسرائيل جزئياً، لكنها عادت للاغتيالات واستهدفت القائد في حركة فتح "رائد الكرمي"، مما أشعل العمليات الفدائية مجدداً.
آثار ونتائج انتفاضة الأقصى
أولاً: الآثار على الجانب الإسرائيلي:
- زعزعة الأمن الشخصي والجماعي، حيث بلغ عدد القتلى الإسرائيليين قتيلاً.
- تراجع العقيدة الصهيونية وزيادة الهجرة العكسية لليونان وأوروبا وأمريكا.
- أضرار اقتصادية بالغة وتغيرات في النظام السياسي (تبني خطة الانسحاب من غزة).
- انقسام حزب الليكود وتشكيل حزب "كديما" لتنفيذ خطة الانسحاب أحادي الجانب.
ثانياً: الآثار الإيجابية على الجانب الفلسطيني:
- توحيد القوى الفلسطينية تحت شعار المقاومة.
- إعادة الروح للقضية الفلسطينية عربياً وعالمياً.
- انخراط فلسطينيي الداخل (الخط الأخضر) في الانتفاضة وسقوط شهيداً منهم.
- زيادة التعاطف والدعم العربي السياسي والاقتصادي.
- إجراء أول انتخابات تشريعية جامعة لـ عضواً تحت شعار "شركاء في الدم شركاء في القرار".
ثالثاً: الآثار السلبية على الجانب الفلسطيني:
- فقدان ما يقارب شهيد، بينهم من القيادات (الشيخ أحمد ياسين، د. عبد العزيز الرنتيسي، أبو علي مصطفى).
- استشهاد الرئيس ياسر عرفات بعد حصاره (وسط اتهامات لإسرائيل بتسميمه).
- تدمير البنية التحتية للسلطة الفلسطينية.
- ظهور ظاهرة الفلتان الأمني.
- بناء الجدار العازل الذي قضم ونزع ملكية من أراضي الضفة الغربية.
خصائص انتفاضة الأقصى والمشهد السياسي ()
تميزت الانتفاضة ببعدها الديني، واتساع المشاركة الشعبية، وظهور العمل المسلح المكثف بمشاركة الأمن الفلسطيني، والتوظيف الواسع للماكينة الإعلامية.
عوامل رسم الخريطة السياسية ():
- عملية السور الواقي الإسرائيلية.
- مشاريع التسوية (المبادرة العربية وخارطة الطريق).
- استحداث منصب رئيس الوزراء الفلسطيني ضمن ملف الإصلاح.
- رحيل ياسر عرفات والانتخابات الرئاسية.
- الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب من غزة.
- نتائج الانتخابات التشريعية الثانية.
عملية السور الواقي وتحركات الولايات المتحدة
مع وصول شارون للحكم، اتجهت إسرائيل لتدمير المؤسسة السياسية الفلسطينية عبر سياسة استراتيجية تعتمد ارتكاب المجازر لجر ردات فعل فلسطينية لتبرير التدمير. في هذه الأثناء، حاولت الولايات المتحدة وقف الانتفاضة للتفرغ لحروبها في أفغانستان ومكافحة الإرهاب، فأرسلت الجنرال "أنتوني زيني" في م. إلا أن إسرائيل استمرت في التدمير، وردت المقاومة بعملية في مدينة حيفا () قُتل فيها إسرائيلياً.
قرارات المجلس الأمني الإسرائيلي المصغر بعد عملية حيفا:
- اعتبار السلطة كياناً داعماً للإرهاب.
- المس برموز السلطة وضرب منشآتها ومقراتها.
- تدمير مطار غزة واحتلال بيت حانون وتطويق مقر عرفات في رام الله في م، ومنعه من السفر للدوحة.
فشلت مهمة زيني، وأعلن عرفات في خطاب بـ م وقفاً شاملاً للأعمال المسلحة، وتجاوبت معه الفصائل. لكن إسرائيل اشترطت اعتقال قتلة الوزير "رحبئام زئيفي" (الذي اغتالته الجبهة الشعبية رداً على اغتيال أبو علي مصطفى). انهار وقف النار باغتيال "رائد الكرمي"، تلاه تنفيذ "وفاء إدريس" لأول عملية فدائية تنفذها فتاة في م.
خارطة الطريق والتحولات البنيوية في السلطة
قدمت الولايات المتحدة (عبر زيني) ورقة توفيقية تضمنت مراحل تبدأ بوقف إطلاق النار خلال ساعة. ترتبت على ضغوط عملية السور الواقي نتائج منها بناء الجدار الفاصل، تدمير بنية السلطة، وإلغاء الاتفاقات السابقة لخلق واقع تفاوضي جديد.
رؤية جورج بوش وبرنامج الإصلاح: أطلق بوش رؤيته التي تضمنت:
- دولتين لشعبين (دولة يهودية وأخرى فلسطينية بحدود مؤقتة).
- انتخاب قيادة جديدة لا تدعم الإرهاب، وإعادة هيكلة المؤسسات. اعتبرها البعض اعترافاً تاريخياً بالدولة، بينما رآها آخرون "وعد بلفور جديد" بسبب مصطلح "الدولة اليهودية" الذي يلغي حق العودة.
منصب رئيس الوزراء واللجنة الرباعية: تم استحداث منصب رئيس الوزراء للالتفاف على الضغوط الأمريكية لاستبعاد عرفات. قُلص عدد الوزراء من إلى وزيراً. كما تشكلت اللجنة الرباعية (أمريكا، الاتحاد الأوروبي، روسيا، الأمم المتحدة) وأصدرت "بيان مدريد" () القائم على نفي العنف ومبدأ الأرض مقابل السلام.
خارطة الطريق (): مرت بثلاث مسودات (أكتوبر ، ديسمبر ، وأبريل ). وافق عليها الجانب الفلسطيني فوراً، بينما تلكأ الجانب الإسرائيلي حتى مايو ووضع تعديلاً عليها.
خطة فك الارتباط ورحيل عرفات
في عهد حكومة محمود عباس الأولى، ظهرت صراعات على الصلاحيات بين الرئاسة ورئاسة الوزراء أدت لاستقالته وتعيين أحمد قريع (أبو علاء). في يونيو ، تبنى شارون "خطة فك الارتباط" بالانسحاب أحادي الجانب من غزة وشمال الضفة. تحليل الخطة:
- التخلص من الثقل الديمغرافي ( مليون فلسطيني في غزة).
- الإبقاء على السيطرة الأمنية عبر المعابر والجو.
- التنصل من التزامات خارطة الطريق.
استشهاد ياسر عرفات: في م استشهد عرفات بباريس. تم انتقال السلطة بسلاسة:
- تولى روحي فتوح الرئاسة مؤقتاً.
- عُين محمود عباس رئيساً لمنظمة التحرير.
- عُين فاروق القدومي رئيساً لحركة فتح. جرت الانتخابات الرئاسية في يناير بمشاركة مرشحين، وقاطعتها حماس والجهاد الإسلامي، وفاز بها محمود عباس.
حوارات القاهرة والانتخابات التشريعية
لتحقيق الشراكة السياسية وإدماج حماس، جرت حوارات القاهرة بمشاركة فصيلاً وأنتجت "وثيقة القاهرة" () التي نصت على:
- التمسك بالثوابت وحق المقاومة.
- الالتزام بالتهدئة المتبادلة.
- تفعيل وتطوير منظمة التحرير الفلسطينية.
- الحوار هو الوسيلة الوحيدة لحل الخلافات (تحريم السلاح داخلياً).
الانتخابات التشريعية الثانية (): دوافعها داخلية (عدم أهلية المجلس القديم، فوز حماس في البلديات) وخارجية (محاولة احتواء حماس). جرت بنظام مختلط وزيادة المقاعد لـ عضواً.
نتائج الانتخابات:
- قائمة التغيير والإصلاح (حماس): مقعداً ().
- حركة فتح: مقعداً ().
- المستقلون (دعم حماس): مقاعد.
- أبو علي مصطفى (الجبهة الشعبية): مقاعد.
- البديل (يسار): مقعدان.
- فلسطين المستقلة (مصطفى البرغوثي): مقعدان.
- الطريق الثالث (سلام فياض وسلام فياض): مقعدان.
أدى فوز حماس بـ من المقاعد إلى تحول النظام السياسي لثنائية قطبية، وواجُهت النتائج برفض دولي (خاصة من الرباعية) التي اشترطت اعتراف الحكومة بإسرائيل والاتفاقات الموقعة ونبذ العنف للتعامل معها.